امشِ في حارة جانبية بقاهرة القديمة وقت الغروب، وأول ما سيصلك هو الرائحة: حبهان، ودخان، وقهوة طازجة. صليل الفناجين الخزفية الصغيرة، وحفيف الشيشة الهادئ، ورجال منحنون على طاولات الطاولة (الطاولي). هذا المشهد تكرّر، بتغييرات طفيفة فقط، لما يقرب من خمسمائة عام. مصر لم تستورد القهوة من مكان آخر فحسب، بل أسهمت في ابتكار معنى المقهى نفسه.
قبل وصول القهوة: ثقافة المشروبات في مصر
قبل القهوة، كان المصريون يشربون الشاي، والمشروبات الفاكهية (الكركديه، والتمر هندي)، وماء النيل، واللبن. وكانت الأماكن العامة للتواصل الاجتماعي موجودة — الأسواق والمساجد والحمّامات — لكن لم يكن هناك مكان مخصص للجلوس على مهل واحتساء مشروب منبّه. هذا ما تغيّر في القرن السادس عشر، وكان تغييرًا دائمًا.
الوصول — من اليمن إلى مكة إلى القاهرة
زُرعت القهوة واحتُسيت لأول مرة في اليمن في القرن الخامس عشر، حيث كان متصوّفة المخا (المدينة المينائية التي أعطت اسمها لاحقًا لأحد مشروبات القهوة) يُعدّونها ليبقوا متيقّظين أثناء صلوات الليل. ومن اليمن، عبرت القهوة البحر الأحمر إلى مكة، ثم سافرت مع الحجاج والتجار إلى القاهرة حوالي 1510–1520.
وفي غضون عقد من الزمن، انتشر احتساء القهوة على نطاق واسع في القاهرة. وبحلول 1530، كانت أولى المقاهي المخصصة (القهوة، قهوة) قد فتحت أبوابها في المدينة — ما جعل القاهرة واحدة من أقدم مراكز ثقافة القهوة المنظّمة على الأرض، إلى جانب مكة وإسطنبول.
الأزهر والجدل الكبير حول القهوة
لم يكن صعود القهوة سلسًا. ففي 1532، اجتمع علماء جامعة الأزهر العريقة في القاهرة ليناقشوا ما إذا كانت القهوة جائزة شرعًا. وتمحور الجدل حول ثلاثة هواجس:
- هل القهوة مسكرة؟ (قال البعض نعم؛ والمسكرات محرّمة.)
- هل هي مضرّة بالصحة؟ (زعم البعض أن المشروب الداكن خطير.)
- هل المقاهي تشجّع على سلوك غير إسلامي؟ (التجمّع، والنميمة، وأحيانًا ما هو أسوأ.)
احتدم الجدل لسنوات. وفي مراحل مختلفة، صدرت أوامر بإغلاق المقاهي وأُحرقت حبوب البن في الساحات العامة. لكن المحافظين خسروا في النهاية. درس علماء الأزهر القهوة بعناية وحكموا بأنها ليست مسكرة بأي معنى جوهري. فالقهوة حلال. وبذلك خُتم احتضان مصر الدائم لهذا المشروب.
مقهى القاهرة — ثورة اجتماعية
بحلول القرن السابع عشر، صارت المقاهي محورية في حياة القاهريين إلى حدّ جعل الرحالة الأوروبيين يكتبون إلى أوطانهم في دهشة. وصفوا أماكن كان فيها:
- يجتمع الرجال من كل الطبقات (اختلاط جذري في مجتمع طبقي)
- يُلقى الشعر وتُروى الحكايات
- تُناقش الشؤون السياسية (بحرية مفرطة أحيانًا — فقد حاول الحكّام بين الحين والآخر حظر المقاهي بدعوى أنها تحريضية)
- تنتشر الأخبار أسرع من أي وسيط آخر
- تُعزف الموسيقى، بما فيها الربابة والعود
- تدور الشيشة
- تُعدّ القهوة فنجانًا واحدًا في كل مرة فوق الرمل الساخن في كنكة (جزوة)
هذا هو النموذج الذي سينتقل إلى إسطنبول، ثم إلى البندقية، ولندن، وباريس، وفيينا، وأخيرًا إلى العالم بأسره. فالمقهى الأوروبي — مهد عصر التنوير، والبورصات، والصحف — صُمّم على غرار ما كانت القاهرة قد أتقنته بالفعل.
الفيشاوي — المتحف الحيّ
إن كان هناك مكان واحد يجسّد إرث القهوة في القاهرة، فهو الفيشاوي، المختبئ في زقاق متفرّع من خان الخليلي. افتُتح عام 1797، وظل يقدّم القهوة دون انقطاع لأكثر من 225 عامًا — ما يجعله أحد أقدم المقاهي العاملة في العالم.
كتب نجيب محفوظ، الأديب المصري الحائز على نوبل، جانبًا كبيرًا من ثلاثيته القاهرية في المقاهي المحيطة بالفيشاوي. وقد أمضى ساسة وشعراء وطلاب ورحّالة ساعات متمهّلة في فضائه المزيّن بالمرايا والمضاء بالفوانيس. تأتي القهوة في فنجان صغير، والحبهان وفير، والتجربة لم تتغيّر منذ قرنين.
القهوة المصرية في الحياة اليومية
نادرًا ما تكون القهوة في مصر مجرد مشروب. إنها:
- طقس استقبال: أول ما يُقدَّم لأي ضيف، ورفضها يكاد يكون إهانة.
- علامة على الوقت: قهوة الصباح، وقهوة ما بعد الغداء، وقهوة آخر الليل — لكل منها طابعها.
- عُرف خطوبة: العبارة الشهيرة «جايين نشرب قهوة» اختصار لزيارة طلب الزواج.
- شعيرة عزاء: القهوة المُرّة، السادة، بلا سكر، تُقدَّم في العزاء — والمرارة تحاكي الحزن.
- دعوة للحديث: «تعال نشرب قهوة» قد تعني أي شيء، من «خلّينا نتقابل ونتكلم» إلى «عندنا أمر جادّ نحسمه».
ودرجة السكر لغة قائمة بذاتها: سادة (بلا سكر) للمناسبات الحزينة، وعريحة (سكر خفيف) لليومي، ومظبوط (وسط) للوضع الافتراضي، وزيادة (سكر كثير) للاحتفال.
من التقليد التركي إلى المختصة الحديثة
لقرون، كانت القهوة المصرية تعني الطراز التركي: طحن ناعم جدًا، تُغلى مع الماء والسكر في كنكة، وتُقدَّم بلا ترشيح مع استقرار التفل في القاع. وظل هذا هو الشكل الغالب حتى وقت متقدم من القرن العشرين، إلى جانب نسكافيه السريع الذي شاع في منتصف القرن.
أما موجة القهوة المختصة — تحميص الموجة الثالثة، والتقطير اليدوي، وثقافة الإسبريسو، والأصول الأحادية — فقد بدأت تصل إلى مصر بجدية في عقد 2010. فُتحت مقاهٍ جديدة في الزمالك والمعادي والقاهرة الجديدة والإسكندرية، تُعرّف المصريين على نكهات وطرق تحضير لم تكن معروفة محليًا من قبل. واليوم تزخر القاهرة بمشهد قهوة مختصة نابض بالحياة، بمحامص متخصصة وباريستا وجمهور شارب واعٍ.
مصر الحديثة — حيث يلتقي التقليد بالمختصة
تجوّل في القاهرة اليوم وستجد العالمَين متعايشَين: القهوة البلدي (قهوة بلدي) العتيقة حيث يلعب الرجال الطاولة على القهوة التركية، والمقهى المختص الحديث حيث يزن الباريستا جرعة الـ V60 إلى عُشر الجرام. لا أحدهما يحلّ محل الآخر؛ كلاهما مصري.
وأقوى دليل على عمق تجذّر القهوة في مصر: أن بلدًا محاطًا بثقافات تشرب الشاي (المغرب وإيران وتركيا ودول الخليج كلها تميل إلى الشاي) يظل مصرًّا على كونه أمة قهوة. الكنكة ما تزال على الموقد. وفنجان الفيشاوي ما يزال يُصبّ. والجيل الجديد يطلب الإسبريسو. وكل ذلك يعود إلى تلك السفن التي كانت تُفرغ حمولتها في موانئ المتوسط في عشرينيات القرن السادس عشر.
مكانة سيلاز في هذا الإرث
توجد سيلاز عند ملتقى هذين التقليدين — ثقافة القهوة المصرية العريقة، والحركة المختصة العالمية. نحن نكرّم الكنكة بتقديم قهوة مطحونة ناعمًا للتحضير التقليدي، ونعانق الحداثة باستجلاب حبوب أحادية الأصل من أفضل مناطق الزراعة في العالم وتحميصها وفق معايير القهوة المختصة.
كل فنجان من سيلاز جزء من حكاية عمرها 500 عام، بدأت مع متصوّفة اليمن، وعبرت من مكة إلى القاهرة، ونجت من المنع والإحراق، ونوقشت في الأزهر، وانتهت في يدك. ونحن لسنا سوى الفصل الأحدث منها.